يوليو 30, 2011
نتشابه كثيراً ، ونختلف قليلاً …
بسم الله الرحمن الرحيم
في الفصل الماضي ، وأثناء دراستي الجامعية لأستكمال درجة الماجستير في معهد دراسات المرأة في جامعة بيرزيت ، ولأول مرة ينزل مساق اختياري يطرح الأسلام كفكر له أصول وامتداد وأُثر الى جانب الفكر الليبرالي العلماني وغيره .. وسمي هذا المساق ب ” الأسلام والعلمانية ” … وحينما ذكرت لأول مرة منذ تأسس المعهد يعني أن المسألة أخذت وقتاً طويلاً أمام القائمات على المعهد لاتخاذ مثل هذه الخطوة الجريئة والتي هي بالتأكيد بالأتجاه الصحيح …
أنا لا أريد أن أنتقد المعهد بأن أسأل لماذا هذا التأخير في طرح الفكر الأسلامي كفكر موجود على أرض الواقع وله رؤاه ونظرياته المختلفة وخاصة على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي … بل أريد أن أثمّن هذه الخطوة … وأود حقيقة أن أشكر السيدة الدكتورة إصلاح جاد مديرة المعهد على إدخال هذه التغيرات على مسار المعهد وإن لمّا تكن كافية بعد …
لقد كان المساق جيداً ، نوعياً كمستهل لهذه البادرة … لأنه وضع كافة الأوراق على الطاولة دونما تمييز … وكان ثرياً بحيث شمل أبحاثاً ومقالات عديدة أجنبية وعربية تاريخية وذات قيمة جوهرية … وأود حقيقة الأشادة بالدكتور أحمد عوض وهو مدرس المساق على أمرين :
- علمه الواسع وثقافته العميقة المترامية … فلقد كان قاموساً فلسفياً … لم يغب عن فكره آباء الفكر منذ قرنين وأمهات الكتب والنصوص … في كل كلمة معلومة حقاً … وكان يعطي علمه ويورثه دونما غرض – هكذا نحسبه – غير فائدة طلابه … وأنا حقيقة كنت من معجبيه وإن كان جزل الأسلوب … سامي اللغة … لكن الطريقة التي اتبعها لتعليمنا حسنت من أسلوب فهمنا له … والحمد لله أحرزت علامة عالية جدا معه بفضل الله العلي القدير .
- الأمر الأهم ، أن الدكتور أحمد ليس له أجنده يحاول فرضها على الطلبة ، فلم يكن يغلّب رأيا على آخر أو منطقاً على آخر ، دافعأ الطلبة هم بأنفسهم لاتخاذ القرار في ذلك … وهو شيء يكاد يكون نادراً لدى الأساتذة والمحاضرين بشكل عام .. إذ على الأغلب تنطق أجنداتهم وتوجيهاتها قبل ألسنتهم .
وعليه ، فإني أعتقد أن العلم يجب أن يكون بهذه البحبوحة والحرية حينما نحاول تثقيف الناس وتعليمهم ، ، ،
أن نضع كافة الأوراق على الطاولة ، ونطلب إعمال العقل وإنطاق الفكر من ذواتنا نحن .. من داخلنا … وكيفما نراه كأشخاص أحرار نستطيع تمييز الصحيح والأكثر صحة من بين الأفكار ….
وحريّ بمن يقوم بمهمة التدريس وخاصة في الجامعات … عدم تجاهل الواقع .. أو إغفال المسكوت عنه لأهداف لها علاقة بالأجندات الحزبية والسياسية …
لماذا نخاف من عرض الحقيقة كما هي في العلم … ؟
لماذا نعزز من افتراضاتنا المسبقة التي يشوبها الخطأ والغموض ؟؟؟
لماذا نطرح دائماً النماذج الأسوأ والتي قد تكون بصفتها فردية لا يمكن تعميمها ؟؟؟
لماذا نحاول تنميط الأفكار … مع العلم أن التغيير الزماني والمكاني مؤثر قوي على الأفكار والنظريات المختلفة .. والجميع يخطيء في التصور والتقدير في مرحلة من المراحل … لكن الأهم أن لا نمر مرور سطحي على عملية التطوير والتعديل والتقويم الداخلي التي تجريها الحركات والمنظومات على أفكارها بفعل تغير الواقع والظرف … ؟؟
وكنت قد ذكرت في مقالتي السابقة حول التغيير الحياتي الذي يصيب البشر وهي سنّة مفطور عليها الناس جميعهم دونما استثناء … والتغيير يأتي من تلمّس فقه الواقع … واستحضار الأحداث ، واستشراف المستقبل بالضرورة والتخطيط للمستقبل من خلال التعمق في الماضي والحاضر …
وللتغيير الايجابي ملامح أهمها : تعميم أكبر كم من الفائدة على الناس … والتماس المصالح العامة لهم … والوقوف على المشتركات بينهم وهي كثيرة كثيرة … والوقوف يداً بيد أمام التحديات العامة … لتسهيل حياة عزيزة كريمة للناس على اختلافهم …
ولعل طرح كافة الأوراق أو حتى الأعلان عن حسن النوايا في ذالك من أهم ركائز الوحدة التي ينشدها عامة الناس ، ويعرقلها السادة للأسف!
الأمر بسيط جداً … وبالأمكان تطبيقه على أي مستوى …
لقد كان لتحول موازين القوى في العالم العربي والأسلامي دوراً كبيراً في احتلال العقول .. بحيث أصبحت قيادة عقل الأنسان مع شعوره بالحرية الواهمة شيئاً بدهياً … أدخلنا في ” ورطة ” فكرية لا يكاد أفضل مفكرينا يستطيع الخروج منها … منذ قرن ونيّف ونحن نتناول جرعات ” الغزو الفكري ” بحيث أصبحت تسري في دمائنا ، نتنفس ونفكر على طريقة غير طريقتنا … أقلامنا وألفاظنا تعود للقواميس الجديدة لحالة ” الاحتلال الذاتي العقلي ” هذه …
ومن بين أسوأ هذه التبعات اللاحقة لحالة الأحتلال التي نحن عليها منذ دخول الاستعمار الى بلادنا أنه عزز كراهيتنا لبعضنا ، وجعل منا أخوة أعداء … وشوّه ولا زال… بحضارتنا وأنجازاتنا … مزيَناً حضارته ومنهجه واختراعاته ، مقبّحاً لكل الحضارات الأخرى .. علماً أن الحضارات الانسانية لا تولد هكذا من فراغ أو بالصدفة ، بل هي نتاج تراكمات لسابقاتها …
فجعل هذا الاستعمار الانسان العربي … حاقداً على نفسه … غير واثقاً بها … تابعاً لمن يملك ” القوة ” المادية طبعاً …. وقبل بالتالي بكافة المسميات التي تصدر عن ” الدول الاستعمارية ” مثل ” الشرق ” أشارة الى ما هو عكس كل ما هو ” غربي “ … ” أدنى ” و ” تابع ” وغير ” مدني ” وغير حداثي ” وغير ” ديمقراطي ” وغير تكنولوجي … و و و طبعا مع وجود كلمة ” غير ” قبل كل وصف لا يتشابه مع ” الغرب “
وانتقل من تمييزه بين ” الأنسانية ” وحدود ” الشرق ” والغرب ” الى تمييز ابناء القوم الواحد … حتى يضمن تبعية دائمة ومطلقة و” مطيعة ” دوما له باقتناع تام طبعاً بأن هذه التبعية تضمن بقائه وسلامته …وهو بالفعل ما حدث ويحدث للأنسان العربي .. اللهم الا لمن ندر ممن وعي وأدرك هذه ” الورطة ” …
إن البحث عن رأس المشكلة هو سبيل حلها …. بالفعل …
نحن متفرقين بسبب الاحتلال والاستعمار وحالة الوهن التي وضعنا بها …
وأقصد هنا الاستعمار على كافة مستوياته …. وكافة أماكن تواجده في العالم … كذلك كافة أصول تواجده على المستوى التاريخي …
إن أدركنا أننا يجب أن نعتق أنفسنا منه … ومن ثقافته … ومن كافة مظاهره … سنصل حتماً الى مصالحنا الحقيقية … وستنجلي العتمة التي هيمنت على أعيننا … وسنصبح نرى حقيقة: أننا كأبناء امة واحدة على اختلاف اجناسها والوانها … نتشابه كثيراً … ونختلف قليلاً ….
هذا الدرس الثاني …
ولنا عودة بحول الله …
